دور التنمية السياسية في دعم الأمن الوطني

ظهرت أدبيات التنمية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، وبرأي المفكرين أن ظهورها كان نتيجة المتغيرات الدولية وتأثيراتها ،والتحولات السياسية والإجتماعية والثقافية وما واكبه من تطورات منهجية ونظرية في ميادين السياسات المقارنة ،وبدأت قوننة مفاهيم حقوق الإنسان وترجماتها السياسية والمدنية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية، فتُعرف التنمية السياسية بأنها تحديث البنى السياسية الإستراتيجية التي تؤدي إلى الإستقرار العام والأمن والسلم الإجتماعي، عن طريق تطوير القوانين الناظمة للشؤون العامة، بما يؤدي إلى تحفيز المشاركة الشعبية، وتنظيم الهياكل المؤسسية في المجتمع، والإنتقال بمفاهيم التكيف والمشاركة والإنتماء الوطني والتحديث والتغيير من مراحلها النظرية والنخبوية ، إلى مراحل التطبيق الذي ينظم العلاقة بين الأفراد والجماعات ، وبين السلطات الحاكمة .

تشكل التنمية السياسية والتحديث علاقة الكل ( التحديث ) مع الجزء ( التنمية ) ،ومن أبرز مقومات التنمية السياسية:المساواة (  equality) ونعني سيادة القوانين التي تنظم الحياة العامة في المجتمع  على أسس الكفاية والقدرة والتفوق دون تمييز. والتمايز ( differentiation  ) ونقصد به التخصص والفصل بين الأدوار في بناء الدولة ومؤسسات المجتمع ، وتنظيم العلاقة فيما بينها بعيداً عن الإعاقة وازدواج الأدوار،  والقدرة (capacity) التي تعني امتلاك النظام السياسي للآليات القادرة على منع الإنقسامات والتوترات السياسية والمجتمعية ، وشجاعة الإستجابة للمطالب الشعبية بالمشاركة والعدالة والقدرة على إدارة التغيرات والتحولات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية من خلال تخطيط استراتيجي في إدارتها بعيداً عن خلق الأزمات التي تواجه بعض المجتمعات أثناء سعيها لتحقيقها و تختلف من مجتمع دولة الى أخرى.

الا أن للتنمية السياسية أزمات، فهي تختلف من دولة الى أخرى فأزمة الشرعية ،تنشأ جراء انعدام الإجماع الشعبي والوطني على شرعية النظام السياسي، أو التشكيك فيه ومدى قانونية وسلامة الأسس التي تخوله لممارسة الحُكم، وأزمة الهوية التي تظهر عندما يخفق أفراد المجتمع في تجاوز ولاءاتهم الضيقة ، والانصهار في كيان وطني موحد يحدد معالم الهوية الوطنية. وأزمة التردد  التي تكون مقاومة من قبل بعض القوى والجهات في المجتمع بسبب تخوفها من النتائج التي قد ترُسيها مسارات التنمية والتحديث، كتقويض امتيازاتها أو خلخلة مواقعها، وأزمة المشاركة التي تنتج عن تعذر / أو عزوف المواطنين عن الإسهام في الحياة العامة ، وغالبا ما تترافق هذه الأزمة مع غياب المؤسسات السياسية الفاعلة المعنية بالمشاركة والتوعية ،و يكون أحد أسباب تكوينها من خلال التجارب التي أدت الى إنعدام الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في تحقيق المطالب، إضافة الى أزمة التوزيع التي تنجم عن خلل في معايير توزيع الموارد على أفراد ومؤسسات المجتمع ، مما يؤدي إلى تراجع الإحساس العام بالعدالة والمساواة ، كما تعد أزمة التنشئة الناجمة عن اخفاق مؤسسات الدولة والمجتمع في توفير الأُطر التربوية في إقناع الأجيال الجديدة بجدوى التنمية وضرورتها، وأزمة الإنتشار ،وتعني ضعف القدرة على النفاذية إلى مختلف البنى الإجتماعية والثقافية والإعلامية والإقتصادية في المجتمع ،  وأزمة المرأة التي قد تكون سمة مميزة لبلدان العالم الثالث  وتتعلق بالفرص المتاحة للمرأة من أجل المشاركة في الميادين السياسية والإجتماعية والإقتصادية ،ويُعزى السبب الرئيسي لهذه الأزمة إلى وجود مفاهيم وسلوكات اجتماعية ذكورية تعيق انطلاق المرأة ومشاركتها في صنع القرار، فالمفاهيم والنظريات في تطبيقها تختلف حسب خصوصية المجتمعات واحتياجاتها الإقتصادية والإجتماعية، الا أن سمة الإدارات الحالية تعمل على وضع حلول شاملة لجميع الأزمات دفعة واحدة بعيداً عن إيجاد إدارة ازمات بفعل وتخطيط استراتيجي ضمن جداول زمنية دون تهيئة البنى المجتمعية الفكرية مما يولد مزيداً من الفوضى والارباك.

 

فالنموذج الأردني تتوفر فيه أبرز صفتين ،وهما القابلية والضرورة  فمن حيث الأزمات فقياسها نسبي حيث لا يوجد في الأردن ما يمكن أن يطلق عليه ( أزمة الشرعية )  فهنالك إجماع وطني وشعبي عام على شرعية القيادة الهاشمية العربية، كما تؤشر المعطيات على إجماع دولي له، ولا يوجد أزمة في الهوية الوطنية الأردنية، وتحتاج بعض الأزمات من شح الموارد وتنشئة الاجيال الى برامج ومناهج متطورة وحديثة في مجالات التربية، حتى أزمة المرأة فحقوقها واضحة في المناصب فكانت أول امرأة في تاريخ الاردن تتسلم وزارة التنمية الاجتماعية إنعام المفتي في حكومة المرحوم الشريف عبد الحميد شرف يوم 19-12-1979 والنشاطات الموجودة بمختلف القطاعات المجتمعية التي لا تهمش دور المرأة.

إلا أن أزمة المشاركة ناجمة من ضعف أداء العمل الحزبي ،وافتقار وجود مشروع ومبادرة نتيجة القضايا المعيشية والظروف الاقتصادية التي أنهكت المواطن والتغير والتعديل الكثير والتجارب السابقة الضعيفة بحسب استطلاعات الرأي.

تكمن الضرورة في إدارة الازمات بمعالجة التردد وتعزيز المشاركة في القضايا الوطنية وصنع القرار ومعالجة الثغرات في بقية الأزمات الأخرى، وميادين قوى الشد العكسي لتجنب تشابكات الفكر والولاءات الضيقة مع إتاحة مزيد من الفرص التي تعزز جوانب الادارة العامة ،كمقوم من مقومات الادارة السليمة الناجحة ، التي يؤكدها الدستور الاردني و يتماشى لحد معقول من عمر بنية الدولة الأردنية التي قاربت على مائة عام منذ تأسيس الإمارة ،إلا أننا لا ننكر وجود تشابك وتضارب في صلاحيات بعض من مؤسسات الدولة ،إلا أن القدرة والمرونة في النظام السياسي الأردني باستيعاب الأحداث والمتغيرات على مستوى المنطقة والشجاعة لاستجابة المطالب التي من حُسن إدارتها عززت الدستور بتغير أكثر من أربعين فقرة لمنع الانقسامات، ومعالجة وإصلاح التغيرات بحُرية وديمقراطية وأمن. و عززت الأردن  نموذجاً حضاريًا للدول العربية الإسلامية والديمقراطية، في الوسطية وحرية الفكر والإبداع والتميز وبمختلف المجالات ،التي من نتائج مقوماتها التي لا بد من تعزيز مفهوم إدارة الأزمات على مستوى الأمن الوطني وتحقيق الاستقرار السياسي والعسكري في منطقة غير مستقرة، بربطها بين التنمية السياسية والإدارية والجوانب الإقتصادية والإجتماعية التي هي أيضاً من الأبعاد الاستراتيجية للأمن الوطني، فمخاطبة العقل والإدراك تعمل على مواجهة التحديات مع العمل على استمرار بناء مجتمع متماسك ،الذي يشكل مكوناً رئيسياً من مكونات الأمن الوطني الأردني في المحافظة على الحاضر ، وبناء المستقبل الذي نريد ونطمح إليه