مال وإقتصاد

التحولات الاقتصادي والتحديات في المرحلة الجديدة

عُقد في الثاني عشر من نوفمبر 2019، المؤتمر السنوي لمجلة تسايجينغ (المال والاقتصاد) 2020، تحت عنوان “التوقعات والإستراتيجيات”، في بكين. ناقش المؤتمر الذي تنظمه مجلة تسايجينغ الصينية المشهورة القضايا العالمية الساخنة العالمية، وسعى إلى رسم ملامح الاتجاهات الجديدة في العالم والمجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية في الصين في عام 2020. وقد بحث الحاضرون معا سبل إيجاد قوة دفع جديدة لتعزيز كل من تنمية العالم وتنمية الصين.

الاقتصاد العالمي في عام 2020

منذ النصف الثاني من عام 2019، شهد العديد من بلدان العالم تباطؤا اقتصاديا مستمرا، مع ظهور أسعار الفائدة السلبية على السندات الحكومية. ودار بين الحضور نقاش محتدم حول ما إذا كان العالم يعاني من الركود. السيد ألان غرينسبان، الرئيس الأسبق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يرى أن الاقتصاد العالمي ضعيف بلا شك، لكن من السابق لأوانه استخلاص أي استنتاج بأن ثمة ركودا وشيكا. وأشار غرينسبان إلى أن الفروق الأسبوعية في الإنتاج الصناعي تضيق، وأن كمية الإنتاج الصناعي تتقلص، لكن هذا لا يعني بداية الركود حتى الآن.

وقال ألفريد شيبكي، الممثل الرئيسي لصندوق النقد الدولي في الصين، في المؤتمر، إنه يعتقد أنه بعد عام 2020، لن تشهد التنمية الاقتصادية العالمية ركودا. وحسب توقعات صندوق النقد الدولي فإن الاقتصاد العالمي سيشهد ارتفاعا بطيئا. وعلى الرغم من ازدياد مخاطر حدوث ضغط لولبي تنازلي في الاقتصادات المتقدمة، فإن الاقتصادات الناشئة ستصبح القوة الدافعة الرئيسية للنمو.

أنماط جديدة من مشكلات التنمية

السبب الجذري لتقلص الاستثمار العالمي هو شيخوخة السكان.

قال غرينسبان: “السمة الأبرز في القرن الحادي والعشرين هي شيخوخة السكان”. وأضاف أن هذا هو السبب في تقلص الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية، بل وفي جميع أنحاء العالم.

إن الإنفاق العام المتزايد الناجم عن شيخوخة السكان يؤدي إلى الضغط على المدخرات المحلية الإجمالية، ثم على الاستثمارات المحلية الإجمالية، وهي العامل الحاسم لزيادة الإنتاج. أوضح غرينسبان أنه خلال الخمسين عاما الماضية، ظلت حصص المدخرات المحلية الإجمالية والإنفاق الحكومي على الضمان الاجتماعي في الناتج المحلي الإجمالي مستقرة عند حوالي 30%. مع زيادة نفقات الضمان الاجتماعي، انخفض حجم المدخرات المحلية بهامش مماثل.

منذ عام 2008، انخفض الاستثمار العالمي. في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال؛ ومقارنة مع عام 2008، انخفضت النسبة الحالية للاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 3 نقاط مئوية. أدى ضعف الاستثمار إلى انخفاض الاقتصاد وتراجع نمو إنتاجية العمل والأجور.

وقال غرينسبان إن جميع صانعي السياسة الاقتصادية يواجهون مشكلة حتمية تتمثل في شيخوخة السكان مع استمرار ارتفاع متوسط العمر المتوقع للناس. وأضاف أن ما ينبغي لهم فعله هو منع الإنفاق العام على المعاشات من الضغط على المدخرات المحلية. وقال إنه في حال لم يكن عبء معاشات التقاعد مرتفعا، فإن معدل النمو الاقتصادي في العالم سيكون أعلى بكثير مما هو عليه في الوقت الراهن.

اقترح غرينسبان إصلاحات في نظام التقاعد. وأشار إلى أنه إذا لم يحدث تغيير، فسوف يستمر تراجع وانكماش الاستثمارات، ومن ثم استمرار النمو بمعدلات منخفضة لفترة طويلة. وأوضح أن الخلفية الاقتصادية العالمية للتضخم المنخفض تعزى بشكل أساسي إلى تباطؤ الاستثمار، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض إنتاجية القوى العاملة والركود في مدفوعات العمال. من جانبه، قال تشو مين، نائب المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي وعميد المعهد الوطني للبحوث المالية بجامعة تشينغهوا، في كلمة ألقاها في المؤتمر، إن العالم يعيش في بيئة ذات معدل تضخم منحفض لفترة طويلة، ومعدل الفائدة العالمي في مستوى منخفض، ومستمر في الانخفاض، مما يشير إلى نموذج ركود على الطريقة اليابانية.

وقال غرينسبان إنه من المرجح أن يتعرض العالم لضغوط التضخم. وأشار إلى أنه عند الحديث على المستوى العالمي، فإنه بالفعل في حالة ركود. من وجهة نظره، فإن الاقتصاد الأوروبي في وضع غير متوازن، حيث لا تزال منطقة الشمال هي القوة الدافعة للاقتصاد الأوروبي، والفائض التجاري مع جنوبي أوروبا كبير للغاية.

أشار تشو مين إلى أن فائض دخل بلدان شمالي أوروبا أصبح مدخلات رأسمالية لجنوبي أوروبا، مما أدى إلى تقسيم الاقتصاد القاري إلى قسمين، والفجوة بينهما تتسع. وقال تشو إن هذا الهيكل غير متوازن ويشبه الخلل الاقتصادي العالمي قبل عام 2008.

إمكانات اقتصاد الصين

من المتوقع، أن يشهد عام 2020 بيئة دولية ومحلية أكثر تعقيدا. كيف يمكن للصين التعامل بشكل صحيح مع الاحتكاكات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية والمخاطر الجيوسياسية؟ كيف يمكنها أن تنضم بنشاط إلى جولة جديدة من التجارة العالمية وإعادة تنظيم سلسلة القيمة؟ كيف يمكن للصين تجاوز المخاطر من خلال تعميق الإصلاحات والانفتاح العالي الجودة، وتحقيق الاستقرار في التوقعات للاقتصاد الصيني؟ كيف يمكنها مواصلة الإصلاح الهيكلي وسط الجهود المبذولة لتعزيز الزخم الاقتصادي الجديد؟ كل هذه الأسئلة كانت محور اهتمام الخبراء في المؤتمر.

قال قاو بي يونغ، نائب رئيس الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية: “في مواجهة الأوضاع الاقتصادية الدولية والمحلية المعقدة وغير المؤكدة اليوم، نحتاج إلى تقديم المزيد من الإصلاحات العميقة والشاملة وتدابير الانفتاح لتحقيق التحول الاقتصادي والارتقاء.”

وقال ألفريد شيبكي إن الاقتصاد الصيني ذو إمكانات هائلة، مقترحا تعزيز الإصلاح الهيكلي للاستفادة من هذه الإمكانات. ووفقا لشيبكي، فإنه مع اقتصاد أكثر ديناميكية من خلال تدابير إصلاح أكبر، يمكن تخصيص الموارد بشكل أفضل والتدفق إلى القطاعات الأكثر إنتاجية. وقال إنه طالما حدث هذا، فإن الاقتصاد الصيني سيكون له مستقبل مشرق.

فرص جديدة في الاقتصاد الرقمي

في غضون الـ15-20 سنة القادمة، ستؤدي جولة جديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية إلى تسريع وتيرة التقدم التكنولوجي العالمي والابتكار، وتغيير عميق وجذري في النمط الاقتصادي في المستقبل. ومن المتوقع أن تكون التكنولوجيا الرقمية هي القوة الرئيسية للتحول الصناعي.

قال لي لي هوي، رئيس مجموعة عمل حول سلسلة الكتلة في الجمعية الوطنية للتمويل على الإنترنت في الصين والرئيس السابق لبنك الصين، خلال المؤتمر: “العملة الرقمية ستحتل المركز الأساسي في الاقتصاد الرقمي العالمي في المستقبل.”

في تقريرها المقدم إلى المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، تعهدت قيادة الحزب ببناء الصين الرقمية؛ وفي تقرير أعمالها لعام 2019 تعهدت الحكومة الصينية أيضا بتعزيز الاقتصاد الرقمي. وفقا لما قاله وانغ تشي جون، نائب وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، احتل الاقتصاد الرقمي الصيني المرتبة الثانية في العالم في عام 2018.

في مؤتمر عمل عبر الفيديو كونفرانس عقده في الثاني من أغسطس 2019، بنك الشعب (المركزي) الصيني، في النصف الثاني من عام 2019، تم التأكيد على أهمية تسريع وتيرة البحث وتطوير العملة الرقمية القانونية في الصين. في الخامس من سبتمبر من نفس العام، أنشأ معهد العملات الرقمية التابع لبنك الشعب الصيني شركة متخصصة في التكنولوجيا المالية الرقمية (fintech) في مدينة شنتشن الصينية.

وفي مؤتمر مجلة تسايجينغ، قال مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، إن البنية التحتية المالية في الصين قد تجاوزت الآن مثيلاتها في الولايات المتحدة الأمريكية. ومعنى هذا أنه من المحتمل إذا لم توافق الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف بعملة فيسبوك (ليبرا- Libra)، فقد يتم تجاوز حالة هيمنة العملة الأمريكية.

ويعتقد لي لي هوي أن العملة الرقمية من شأنها أن تخلق المزيد من الفرص في المستقبل. ولذلك، قدم الاقتراحات التالية:

أولا، من الضروري اكتساب الخبرة الكافية اللازمة في التكنولوجيا الرقمية والاقتصاد الرقمي. وتشمل التدابير المحددة حوافز ضريبية للمتخصصين المشاركين في بحث وتطوير التكنولوجيا الرقمية. ينبغي للدولة أيضا تشجيع التطبيق التجاري للتكنولوجيا الرقمية، ودمج نقاط القوة في المؤسسات المملوكة للدولة وكذلك القطاعات الخاصة لإتقان حقوق الملكية الفكرية المستقلة في المجالات الرئيسية للتكنولوجيا الرقمية. بالإضافة إلى ذلك، يجب إجراء مزيد من البحوث حول العملة الرقمية القانونية للصين.

ثانيا، ينبغي تسريع الجهود في بناء النظام المالي الرقمي. من أجل ضمان التنمية المستدامة للتمويل الرقمي، يجب إدخال آليات تحكم إصدار العملة الرقمية وتنظيم سوق التمويل الرقمي. ويجب أن تكون هناك معايير وطنية لنظام التكنولوجيا المالية “fintech”، وأنظمة الموافقة والتحقق الخاصة بتطبيقه. وبالطبع، فإن المشاركة الفعالة في الجهود الدولية لبناء نظام عالمي للتمويل الرقمي، لها أهمية بالغة أيضا.

كلمات دلالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق